اسماعيل بن محمد القونوي
185
حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد
بذلك لأنه الجامع لأسباب التنزه وطيب المكان ) أو مفعول من عانه فتكون الميم زائدة إذ أصله معيون فاعل فصار معينا قوله ماؤها أي ماء الربوة بذلك أي على الوجهين لأنه أي الماء الجامع لأسباب التنزه أي السرور والفرح وطيب المكان فالمكان الذي يكون فيه ماء جار يكون أطيب المكان وأشرف البقاع والوصف لإفادة ذلك . قوله تعالى : [ سورة المؤمنون ( 23 ) : آية 51 ] يا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّباتِ وَاعْمَلُوا صالِحاً إِنِّي بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ ( 51 ) قوله : ( نداء وخطاب لجميع الأنبياء لا على أنهم خوطبوا بذلك دفعة لأنهم أرسلوا في أزمنة مختلفة بل على معنى أن كلا منهم خوطب به في زمانه ) نداء وخطاب الخ فيكون النداء في المحكي بطريق واحد بعد واحد كل في زمانه لا دفعة واحدة كما أوضحه المص . قوله : ( فيدخل تحته عيسى دخولا أوليا ويكون ابتداء كلام ذكر تنبيها على أن تهيئة أسباب التنعم لم تكن له خاصة ) فيدخل تحته عيسى الخ إذ الكلام متصل بقصته فلا وجه ذات ثمار وزروع هو الوصف الجامع لأسباب النزاهة والتطهر وطيب المكان فللمبالغة في مدحه وصف بذلك الوصف الجامع لصنوف الراحة . قوله : نداء وخطاب لجميع الأنبياء أي قوله عز من قائل : يا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّباتِ [ المؤمنون : 51 ] نداء وخطاب ليس على ظاهرهما كيف والرسل إنما ارسلوا متفرقين في أزمنة مختلفة وإنما المعنى الإعلام بأن كل رسول في عهده وزمانه نودي وخوطب به ليعتقد السامع أن أمرا نودي له جميع الرسل حقيق بأن يؤخذ به ويعمل عليه لئلا يحرم أحد على نفسه ما أباحه اللّه تعالى لجميع أحبائه من الرسل كذا في الكشاف قال صاحب الانتصاف هذه نفحة اعتزالية فمذهبنا أن اللّه تعالى في الأزل متكلم آمرناه ولا يشترط في الأمر وجود المأمورين بل الخطاب وقع في الأزل على تقدير وجود المخاطبين والمعتزلة أنكروا قدم الكلام فحملوا الآية على خلاف ظاهرها وما ذكره جار في جميع الأوامر العامة للأمة . قوله : فيدخل تحته عيسى دخولا أوليا لأن الخطاب توجه أولا إليه والضمير في قوله لم يكن له خاصة لعيسى أي تنبيها على أن تهيئة أسباب التنعم لم يكن لعيسى وحده بل إباحة تلك الطيبات شرع قديم للأنبياء قاطبة قوله أو حكاية لما ذكر لعيسى وأمه أي أو حكاية لما ذكر من خطاب الرسل المتقدمة لعيسى وأمه ليقتديا بهم في تناول ما رزقاه من الطيبات التي رزقها اللّه وأباحها إياهما فإن قلت تعلق حرفي جر بمعنى واحد بفعل واحد بلا عاطف لا يجوز فلا يقال مررت بزيد بعمرو ولا وهبته لزيد لعمرو فمن أين ساغ تعلق اللامين في قوله أو حكاية لما ذكر لعيسى وأمه بحكاية قلت عدم الجواز فيما يكون أصل المعنى مرادا في الموضعين واللام الأولى هنا مزيدة لتأكيد تعلق المصدر بمفعوله الذي عدي إليه بنفسه بلا واسطة الجار لأنه يقال حكاه ولا يقال حكى له ويسمى مثل هذا اللام لام الدعامة والتقوية وهم يستعملونها مع المصدر واسم الفاعل لانحطاط درجة الاسم في العمل عن درجة الفعل ولا يستعملونها مع الأفعال فلا يقولون هو ضرب لزيد كما يقال هو الضارب لزيد قال صاحب الكشاف ويجوز أن يقع هذا الإعلام عند ايواء عيسى ومريم إلى الربوة فذكر على سبيل الحكاية وقال صاحب التقريب وفيه نظر إذ ليس المقول لهما يا أيها الرسل لأنه لانشاء النداء فلعله أراد أعلمناهما معناه الخبري وهو خطاب الرسل لدلالة الإنشاء عليه .